ربيع الطقوس


ربيع الطقوس                                                         
 
أحب الحسين. لا آتي بجديد فقد أحبه ملايين قبلي وسيحبه ملايين بعدي.

لا أزايد على أحد، ولا أنزع صفة حب الحسين من أحد، فهذا الحب مائدة مبسوطة.. مائدة ممتدة عامرة.

ابتدأت بالافصاح عن حبي لا رياء، ولكن لكي لا يتهمني من يقرأ سطوري باحدى التهم الجاهزة، أو أن يضعني في خانة لا يسمع ممن يوضع فيها قول، ولا يقبل منه نقاش.

الحسين القضية، الحسين الإنسان والأفق الممتد يحاول بعضهم احتكاره، بل وتقنينه، بل وحصره في زاوية لا يريدون خروجه منها إلى المدى الذي يليق به وخُلق له.

في محرم هذا تجولت في بغداد وكربلاء والنجف والديوانية ومررت بالحلة. تأمّلت المشهد على خلفية أمطار نزلت لتعقد من حياة الانسان في العراق وتزيد من تراجع حالها غير المرضي.

لاحظت حالة امتداد للطقوس.. امتداد يتزايد، بل أن هناك طقوسا تستحدث ثم تضفى عليها هالة قدسية ليصبح حتى الحديث حولها محرما.

ما أريد توجيه النظر إليه هم أولئك (الطقوسيون) الذين هم على النقيض من الحسين المعنى. الطقوسيون منظرين.. الطقوسيون دعاة.. والطقوسيون مريدين. اسمحوا لي؛ هناك تجارة طقوس أيضا قيمتها السوقية بالمليارات. وهناك استثمار سياسي للطقوس قيمته الابتزازية تساوي مناصب ومنافع وصفقات.

استوقفتني بطريقة مختلفة عبارة الحسين العظيمة التي يستخدمها من لا يرتقي لأدنى سماواتها الشاهقة في المعنى (هيهات منا الذلة). تأملتها على علم ترفعه سيارة كانت تسير وئيدا بجانب السيارة التي كنت استقلها. تأملوا المشهد ونحن ننزل الى طين كتف الطريق عند احدى السيطرات، لنسير بمحاذاتها، ولنعود الى الطريق بعدها لا لشيء سوى رغبة الضابط في السيطرة، فأي هيهات؟

أي هيهات وكانت مدننا المنهوبة تغرق بالأوحال ومياه الامطار وسارقوها ينصب بعضهم سرادقات للعزاء؟ أليس من الذلة أن نكون مستغفلين؟

أي هيهات والخوف عاد يحمل في نطاقه سوط إذلال؟ فكم من سطوة تتسلط على الرقاب باسم إرادات تفرض واقعا على الارض ويلتف حولها النفعيون ويزدهر معها الطقوسيون؟

نحن منحسرون في زاوية داخل خرابنا الوطني لا يراد لنا أن نكسر السائد والمفروض وإن كان باليا إلى درجة أن يحرض خطيب منبري على مجتهد ومرجع ديني لأنه كسر السائد وتجرأ على انتقاد أو تحريم ظاهرة متخلفة (وهذا رأيي) وهي التطبير.

الطقوس شيء والدين شيء آخر. الطقوس شيء والحسين شيء آخر، وأنا لا أقصد بالطقوس إلا الممارسات التي تتعدى المنطق وتتجاوز الحد ولا تمثل قيمة دينية ولا حضارية تذكر.

والتفكير الطقوسي هو التفكير الذي لا يفرق بين معنى الدولة ومعنى الفئة أو الطائفة. التفكير الطقوسي أن تفاجئك سيارة لاندكروزر لوزارة الدفاع ترفع أعلاما خضراء وسوداء وتنزل الزجاج ويرتفع من سماعاتها صوت لطمية ويكون الجالس في الكرسي الأمامي ضابطا برتبة كبيرة (هذا ما رأيته في الكرادة). هذا يعني غياب الدولة وازدهار الطائفة، ويعني انحسار القانون وتمدد سلطة الأمر الواقع.

هل كان هذا الضابط يدرك معنى أنه في عمل رسمي وفي سيارة دولة وأن له الحق في ممارسة طقوسه ومعتقداته في وقته الخاص خارج صفته الرسمية؟ أم أنه يريد أن يفرض وجهة نظره على بقعة السلطة التي يغطيها؟ أم أنه يحاول إرضاء أطراف أخرى؟

التفكير الطقوسي أن يقول موظف في مديرية تربية كربلاء للمراجع الذي قدم شكوى بسبب ضياع وثيقته التي أتى لتصديقها "فلتأت مبكرا غدا لأننا سنخرج في موكب عزاء مديرية التربية" فماذا يعني هذا؟ ألا يعني تضخيم الطقوس وانحسار الروح وتضاؤل المعنى الحسيني؟

الحسين يريدكم في أماكن العمل وقت العمل وأن تخدموا الناس فهو الذي قال بأنه خرج لطلب الاصلاح. اذهبوا للعزاء بعد العمل أو في يوم الجمعة واقضوا حوائج الناس وحللوا رواتبكم . المذهل ان الدوائر الحكومية الأخرى تمارس نفس الممارسة.

إنهم يكذبون على الحسين؛ فبعض رؤساء الدوائر يخرج من أجل البكاء لا على الحسين بل على (الهريسة) وهريسته الاستمرار في موقعه، فهناك طقوسيون بموقع أعلى ينبغي عليه أن يثبت لهم مدى انسياقه في تعظيم (الطقوس).

ختاما.. السلام على الحسين يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث ليرى كيف أسيء لذكراه تحت شعار إحيائها.

السلام على الحسين الذي رضعت حبه وحب جده وأبيه.. السلام عليه قامة سامقة للسمو الروحي لا (قامة) للتطبير.
الدكتور أحمد النواس

0 comments:

Blog Tips
Blog Tips
2009@ سوالف عراقية

اشترك معنا في سوالف عراقية